كورونا المستجد لا خروج ولا عودة

252

اضحي وباء فيروس كورونا المستجد هو الشاغل الاوحد في العالم ، يتصاعد عدد الضحايا ويتوسع نطاق الحجر. والحكومات في كل مكان منشغلة بالبحث عن طرائق للحد من انتشار الوباء، وفي الوقت ذاته تستعد لمواجهة نقص حاد في المستلزمات الطبية والأسرة في المستشفيات. وشرع عدد من الحكومات قوانين وإجراءات للحد من السفر والإسراع بإيصال المعونات واغلق العالم ابوابه ومنافذه واصبحت كل دولة سجنا لمواطنيها او بالاحري لساكنيها , لا خروج ولا عودة ” , وهنا تذكرت مطالبات الفلسطنيين بحق العودة والذي قوبل دائما بالتهكم والتناسي حيث ان كلمة عودة اصبحت لايمكن اعادتها قولا ولا فعلا , والسؤال كيف يشعرسكان العالم اليوم وهم سجناء محل اقامتهم ولايستطيعون حتي الخروج , وحتي اذا سمح لهم به للعودة الي بلادهم الام سيجدوا ابوابها مغلقة , اتمني ان يشعر العالم بما شعر به الفلسطنين منذ عام 1948 , انا لا اقلل شأنا م  اهمية الخطوات الاحترازيه حيث اتخاذها ضرورة في مثل هذه المصائب ، إلا أن بعض السياسيين يحاول استغلال هذا الوباء لتحقيق أهدافه السياسية الخاصة, وعلي الرغم ان العالم اجمع اصبح سجينا برضاه اعتقادا ان السجن هو السلاح للوصول الي الحرية فمازال  فيروس كورونا ينتشر بسرعة الريح ويُصيب الآلاف في مُعظم الدول الأوروبيّة رُغم الاحتِياطات الاحترازيّة، وإغلاق الحُدود، دون حقائب “دبلوماسيّة” إرهابيّة، ودُون معرفة كيفيّة صُعود هذا الخطَر بهذه السّرعة؟ وهل هو نِتاج تصنيع أحد المعامل في دول غربيّة أو شرقيّة؟ ولماذا انتشر بهذه السّرعة الخياليّة؟

لا نملك إجابات عن جميع هذه الأسئلة، ولا تملك الدول الغربيّة وعُلماؤها إجابات أيضًا، وسَط حالة من الهلع والارتَباك غير مسبوقة، وسُقوط كُل المُحرّمات، بما في ذلك منع صَلوات الجمعة في المساجد، وقُدّاس الأحد في الكنائس، وإلغاء مناسك العُمرة، و الحج في المشاعر المقدّسة في أرض الحرمين الشريفين في مكّة المكرّمة والمدينة المنورة.

الكثير من الثّوابت في عالم اليوم تتغيّر، وباتت الملايين، بل مِئات الملايين، تتعرّف على معنى حياة الفلسطنين من خلال حظر التجوّل، والاعتِقال الإجباري المنزلي، والعيش بُدون مُسابقات كرويّة، والمُناسبات الاجتماعيّة مِثل حفَلات الأعراس، وإغلاق المطاعم والمقاهي، وكُل التجمّعات الترفيهيّة، فأسباب الحِرص على البقاء واحتِياطاته باتتباتت تتقدّم كُل شَيء.

هذه الأزَمة الكارثة ستَمُر حتمًا، مِثلما مرّت أزَمات وبائيّة مُماثلة على البشريّة في تاريخها بشقّيه القديم والحديث، ولكنّ عمليّة التّغيير الاجتماعي والسّياسي والاقتِصادي التي أحدثتها ستُؤدِّي إلى خلق مُجتمعات جديدة، بعادات جديدة، وتحالفات جديدة أيضًا.

الصين الدولة الديكتاتوريّة خرَجت النّاجح الأكبر في اختبار “الكورونا”، بينما باتت الأنظمة الصحيّة الأوروبيّة التي تُمَثِّل دولًا وحُكومات ديمقراطيّة مُتقدّمة هي الفاشِل الأكبر حتّى كتابة هذه السطور، فهذه الدّولة التي يَبلُغ عدد سكّانها 1.4 مليار إنسان أثبتت فِعلًا أنّها قوّة عُظمى عندما أدارت أزمة الوباء الذي انتشر في مدينة ووهان بكفاءةٍ عاليةٍ جدًّا، وحاصرت الفيروس، وأقامت مستشفى هو الأضخم في العالم في أقل من عشرة أيّام، وأوقفت انتِشار الفيروس تقريبًا، وأنقذت حياة 80 ألف مُصابًا تعافوا كُلِّيًّا نتيجةً للعناية الطبيّة عالية المُستوى والمهنيّة.

الغرب الذي يُعادي الصين من مُنطلقات أيديولوجيّة يرفض الاعتراف بهذه الحقائق المُذهلة، مثلما يرفض الاستعانة بالخُبرات الصينيّة لمُواجهة هذا الوباء من مُنطلقات الغطرسة وعُقدة التفوّق، والاستِثناء الوحيد كان إيطاليا، حيث ترفّعت حُكومتها عن كُل عُقَد النّقص هذه وفتحت أبوابها  لطائرتين صينيتين مُحمّلتين بالخُبراء والمعدّات الطبيّة والأدوية للاستِعانة بهم لمُواجهة الأزمة التي تعيشها، وتقديم مصالح شعبها وسلامته على كُل الخِلافات الأيديولوجيّة، فتحيّةً لها، وتحيّةً للصين.

لا أحد يستطيع أن يتنبّأ بِما يُمكن أن تتطوّر إليه الأمور، خاصّةً في أوروبا، وما يُؤلمنا أنّ أصواتًا لمَسؤولين كِبارًا في أوروبا باتت تتحدّث عن التّضحية بالمَلايين ممّن هُم فوق سن الستّين، الشّريحة الأكثر عُرضةً للموت بسبب الفيروس لضعف جهاز المناعة عِندها، والتّركيز على إنقاذ الأجيال الشابّة، وفق نظريّة “مناعة القطيع” المُتداولة حاليًّا في بعض أوساط الحُكومة البريطانيّة.

خِتامًا نقول إنّ على الدّول الكُبرى ، وقد عاشت هذه التّجربة “البُروفَة”، أيّ انتِشار وباء “الكورونا”، أن تكون حَذِرَةً في المُستقبل، وأن تَكُف عن ظُلمها للشّعوب الصّغيرة المُضّطهدة وان تعي معني حق العودة وحق الحياة ، وأن لا تدفعها إلى أسوأ السّيناريوهات، واللّجوء إلى قنابل الفُقراء النوويّة البديلة المُحرَّمة دوليًّا في حالةِ يأس.

الدّرس الأهم الذي يُمكن استِخلاصه من هذه الكارثة يتلخّص في أنّ العدالة، والتّعايش، والحِوار، الت كافل  الدّولي، واحتِرام الكبير للصّغير، وحُقوقه المشروعة في العيش الكريم وعلى قدمِ المُساواة، وبعيدًا عن أشكال الاستِغلال والتّمييز العُنصري، والدّيني، والطّائفي، كلّها تُشَكِّل أقصر الطّرق للسّلام والاستِقرار في العالم .

البرفسور :اسامة اسماعيل/امريكا/واشنطن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.